آخر تحديث: 2018-07-05 11:01:59

عاجل

في جيوبوليتيكا المقاولة السياسية .. بقلم: إدريس هاني

يتحدّث عبد الله النفيسي أحد قادة «الإخوان المسلمين» ـ فرع الخليج عن أن نتائج الانتخابات في كلّ من لبنان والعراق «تؤكد على التمدد الإيراني» في المنطقة، كما يعد تصريح المسؤولين الأمريكيين حول التدخل العسكري ضدّ إيران غير جدّي معرباً عن أسفه لهذا الأمر..كلام النفيسي هنا مجرد مقدمّة للحديث عما هو أكبر من رأي «الإخوان» في هذه المعركة الكونية التي تدور في منطقة شديدة التعقيد.. لكن بالنسبة للإخوان نلاحظ أنهم يتماهون في موقفهم مع دول الخليج نفسها التي تخوض ضدهم معركة كبيرة.. لكن ما يجهله «الإخوان» وكلّ المهللين لهذه الحرب هو أنّها لو قامت فستكفي شظاياها فقط لمحو الكيانات الخليجية من الخريطة.. فالحرب هنا ستكون مساحتها واسعة وسيكون للصواريخ الكلمة الأخيرة في هذه الحرب التي ستطول كل المناطق التي قد تنطلق منها صواريخ أو جيوش..
ما زال «الإخوان» يجهلون الاستراتيجيا حتى حينما يتحدثون عنها كما فعل مرة أحدهم في ملتقى حضرته ولم يفعل سوى أن صبّ أرقاماً مرعبة لتسويق موقف «إخواني» غير استراتيجي.. لكن حديث النفيسي أيضاً يحتوي على مضمون تناقضي، أي إن الانتخابات التي يتوقعها هو ونظراؤه في لبنان والعراق، يجب أن تكون في مصلحة حلفائهم وعملائهم وإلاّ كانت «غير شرعية».. فالوطنية هنا لا توجد في قاموسهم.. وهي «ليست إرادة شعب بل هي منحة من المانحين».. والشعب الذي يختار مرشحيه له شرعية فقط حين يأتي بعملائهم الذين تواطؤوا مع المحتل.. وفي هذا تدخّل سافر في لبنان والعراق لا يتمّ الحديث عنه كما لو كان مسلّمة.. متى كان الخليج يعطي حكماً قيمة للديمقراطية في لبنان أو العراق؟ المشكلة هي أنّ البترودولار فشل في تحريف إرادة تلك الشعوب لأنهم راهنوا على عملاء منحطّين ليس لديهم أي نفوذ شعبي في بلدانهم تلك.. قد يكون من الوقاحة التعامل مع الشعبين اللبناني والعراقي كشعوب «قاصرة».. بينما الحقيقة أنهما شعبان راشدان لم يبيعا ذمتهما في الانتخابات.. وعلى هذا الأساس، لا بدّ من التذكير بأنّ الرهان على كائنات معزولة في هذه البلدان لا يقدم ولا يؤخّر، لأنّ الكائنات التي يتم التسويق لها هذه الأيّام من داخل لبنان هم صفر من الناحية الشعبية، ولاسيما إذا تعلّق الأمر بعملاء ومتملقين مهمّشين من الشعب..هذه العينة التي تراهن عليها القوى الخليجية في بلدان كثيرة في مجال السياسة والإعلام هم عيّنة ضعيفة وانتهازية ومتملقة لا تملك تأثيراً في الواقع..بينما تلك الشعوب تعرف قيمة رموزها جيّداً..
وبناء عليه، لا بدّ من التذكير بأنّ الحرب في المنطقة تدور مدار الطّاقة لا مدار العقائد والأديان.. صحيح أن مقتضى الاستراتيجية الإمبريالية هو العمل على خلط الأوراق وإقحام العقائد في صراع ذي أبعاد اقتصادية وصراع نفوذ وتسويق العملاء على أنهم «قادة وعلماء ومفكرون»، غير أنّ تلك مجرد وسيلة لكسر الإرادات الممانعة.. ووجب القول إنّ فرض العقوبات على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية هو في نهاية المطاف شكل من الحصار على أوروبّا نفسها، وذلك نتيجة ما فطن إليه بعض قادة الاتحاد الأوروبي الذين عدوا أنّ أمريكا تسعى لزيادة إنتاجها من الغاز الصخري وتسعى إلى تصديره إلى أوروبا وهي منزعجة من الاحتياطي الإيراني، هنا تستعمل السياسة والإيديولوجيا والتحايل على مبادئ القانون الدولي في تمرير مشاريع اقتصادية محضة.. من المنتظر أن تزداد طاقة استيراد الغازالطبيعي في أوروبا عام 2020 بنحو 20 في المئة.. وما يفسّر هذا الانقلاب غير المنطقي لترامب على الملف النووي هو للوصول إلى فرض عقوبات على إيران لتحييدها عن تصدير الغاز إلى أوروبا بوصفها ثاني احتياطي في العالم في إنتاج الغاز بعد روسيا..
ترامب المقاول يدير صفقاته مستعملاً تلويحات القوة وسيلة للربح.. فهو من جهة، يستنزف الخزينة الخليجية، وفي الوقت نفسه يؤمّن أسواقاً لصادراته من الغاز إلى أوروبّا.. أمّا الحرب فإنّها موقف أحمق قد تلهي فيه واشنطن حلفاءها لتحقق أهدافها في أوروبا والمجال الأوراسي الذي يغزوه ترامب عبر نزاع الكوريتين.. وعلى هذا الأساس سيؤمّن «الكاوبوي» الأمريكي هروبه غرباً وشمالاً وشرقاً ليترك للأغبياء مجالاً شرق أوسطياً فقيراً مستنزفاً مخرّباً ويستنزف فيه إمكانات روسيا وإيران وحتى الصين.. أدوات الحروب الكبرى خارج حسابات الربح والخسارة.. في الشرق الأوسط لا مجال للحروب الكبرى، ولكن هناك فقط حروب استنزاف..غير أنّ ترامب يمارس هوايته كمقاول يرفض الاعتراف بالإفلاس ويلعب آخر أوراقه بمنطق المقامرة والتلويح، هذه المرّة يجرب أن يدير السياسة الخارجية بمنطق المقاولة والابتزاز والصفقات..
العالم يواجه اليوم سياسة مقاولة دولية اسمها الولايات المتحدة الأمريكية..والبقية إمّا لاعب على مستوى هذا الإيقاع بوعي وفعالية، وإمّا كومبّارس يتقاضى ثمناً على أدواره الجزئية.. إن سألتني هل ستحدث حرب في الشّرق الأوسط؟ سأقول لك: إن الحرب قائمة بالفعل ومستمرة على أساس الاستنزاف وتفجير التناقضات واستعمال الأغبياء في استمرارها، لكن لن نتحدث عن حرب عالمية بالمعنى الذي ذهب إليه العجوز هنري كسنجر الذي اختلطت عليه الأزمنة بين الحرب الباردة وما بعدها، حتى بات يعبّر عن نوع من الزهايمر الجيواستراتيجي.. نحن إذاً أمام شكل من النشاط الذي يقع في إطار جيوبوليتيكا المقاولة: المقاولة ضدّ المقاومة.

*كاتب من المغرب

print

مقالات ذات صله